أقوال المشركين في مناهضة الدعوة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم

محتوى المقالة الرئيسي

م.د. زين العابدين عبدالحميد إسماعيل

الملخص

       لقد تصدّى المشركون لدعوة النبي (ﷺ) بأساليب شتى ووسائل متعدّدة  هدفها صرف الناس عن سبيل الله وتشويه حقيقة  الدين الإسلامي، ومن الوسائل التي لجأوا إليها : السخرية والاستهزاء، والطعن في شخص الرسول(ﷺ)، وإلصاق مختلف التهم به ؛ ليصرفوا الناس عن دعوته، ويضعفوا عزائم المؤمنين به. فاتهموه بالجنون تارة، وبالسحر تارة أخرى، وزعم بعضهم أنه شاعر يختلق ما يقول، غير أنهم لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم مبهورين بقوة بيانه، عاجزين عن معارضته ، تهتزّ قلوبهم لصدق كلامه وإن أنكروه بألسنتهم ، وفي مطلع الدعوة لم يهتم زعماء قريش بها كثيرًا ، إذ لم  يدركوا بعد مدى ما تشكله من تهديد لمصالحهم ، ولكن حين جاء القرآن يفضح باطل معتقداتهم ، ويكشف  فساد تعظيمهم للأحجار واتخاذهم آلهة لا تنفع ولا تضر، خطرت لهم فكرة المساومة، فبدأت محاولاتهم تمرّ بمراحل متعددة ، وهي :


1-مرحلة السعي الحثيث لاخماد الدعوة في مهدها: بدأت قريش منذ اللحظة الأولى بمحاولة إطفاء نور الدعوة ومنعها من الامتداد في مجتمعهم فحاولوا إيقافها من أصلها قبل أن تستقر جذورها في القلوب. فتوجهوا إلى النبي (ﷺ) عارضين عليه المال والجاه والسلطة،لعلّه  يترك ما جاء به وينصرف إلى ما يريدون ولمّا رأوا أن هذه المغريات لا تُحرّك فيه رغبة ولا تُضعف عزيمته،قصدوا عمَّه أبا طالب يرجونه أن يكفّ ابن أخيه عن دعوته،ظنًّا منهم أن الرابط العائلي قد يُثمر ما عجزت عنه المساومات،لكنهم فوجئوا بثبات النبي(ﷺ)وصلابة موقفه،وإصراره على تبليغ ما أمره الله به دون تردد،وازدادت دهشتهم حين وجدوا أبا طالب، برغم ما تعرض له من ضغوط، يرفض أن يتخلى عن نصرته،  عندها أدركت  قريش أن أسلوب الترغيب والتهديد لم يحقق لهم ما أرادوا ، وأن نور الدعوة أقوى من أن يُطفَأ  بهذه الوسائل ، فبدأت تبحث  عن طريق  آخر لمواجهة  هذا المدِّ الجديد الذي أخذ يشقُّ طريقه بثبات في القلوب والعقول .


2- مرحلة المهادنة المتبادلة وطلب التعايش دون صدام : بعد فشل محاولات قريش لإيقاف  الدعوة بالقوة والإغراء، لجأوا إلى أسلوب أخفّ حدّة، فاقترحوا المهادنة المتبادلة ، أي  أن يكفّ كل طرف عن انتقاد معتقدات الآخر، ويترك المجال لأعماله ومصالحه دون تدخل. أرادوا بذلك أن تُقدَّم تنازلات تحفظ لهم مصالحهم، ويستمرون في حياة اجتماعية مستقرة دون مواجهة مباشرة مع الدعوة، لكن هذه المساومة لم تكن لتُقنع الحق أو تُغيّر من ثبات دعوة الإسلام، فهي رسالة سماوية لا تُهدأ بالسكوت ولا تُرضى بالرضوخ ومع ذلك ، حاول المشركون أن يظهروا نوعًا من التعايش السطحي ، ظنًّا  منهم أنه قد يُضعف تأثير الدعوة في النفوس، غير أنهم وجدوا أن نور الحق يزداد إشراقًا مع كل محاولة  لكبحه، وأن الدعوة  ثابتة على  نهجها، رافضةً أي مساومة تُفقدها جوهر رسالتها.


3- مرحلة المفاوضة على الشروط: بعد فشل المحاولات المباشرة لإيقاف الدعوة، لجأت قريش إلى أسلوب أكثر دهاءً، وهو المفاوضة على الشروط، محاولة فرض قيود تضمن استمرار نفوذهم ومكانتهم وسط انتشار الدعوة، أرادوا أن تُقام الدعوة ولكن ضمن حدود يحددونها هم، بحيث يبقى لأصحاب المال والجاه امتيازات واضحة تميّزهم عن عامة الناس ، سعى المشركون بذلك  إلى تحقيق نوع  من السيطرة الجزئية ، ظانين  أن  ذلك قد يُخفّف من تأثير الدعوة على المجتمع ، ويحدّ من انتشارها بحرية. لكن الله عز وجل أنزل النصر على المؤمنين بعد الشدة، وأزال عنهم كل قيود، وأظهر دينه، فأعلى  شأنهم ، ونصرهم على أعدائهم، وأتمّ عليهم نعمته ودينه، فأثبتت الدعوة أن الحق لا يُقيد ولا يُحد بوسائل البشر .

تفاصيل المقالة

كيفية الاقتباس
أقوال المشركين في مناهضة الدعوة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم. (2026). مجلة كلية التربية الاساسية, 32(135), 758-796. https://doi.org/10.35950/cbej.v32i135.14567
القسم
مقالات العلوم الانسانية

كيفية الاقتباس

أقوال المشركين في مناهضة الدعوة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم. (2026). مجلة كلية التربية الاساسية, 32(135), 758-796. https://doi.org/10.35950/cbej.v32i135.14567